الخميس، 3 أبريل 2008

عياش ... واليد البيضاء



لم يكن متميزا عن أقرانه بجديد ، عاش مثلما عاشوا ، وعانى مثلما عانوا ، إلا أن فطرته السجية غلبت شقوته العتية .
أوجده الله فى وسط بسيط الحال ، وأفاض عليه من نعم تفوق الخيال ، فصار ذا حسن وجمال ، كان طيب السيرة بين أهله وخلانه ، وكيف لا ؟! وأبوه العامل المطواع ، هادئ الطباع ، (الذى خط الزمان خطوطا ليست بقليلة على قسمات وجه النضر ، وجرى الشيب مجراه فى سبيل عطر . )
كان هناك يد بيضاء عامرة بالحب والوفاء وراء ( ....... ) . كانت له بمثابة المصباح الذى يضئ له الطريق ، والأنيس الذى يفضى إليه بالأسرار . ضحت هذه اليد لبناء مشروع كبير وكان الدافع وراء تلك التضحية ..لبها العامل وعيناها المتأملتان لحال والدهم المثير للشفقة .
لم تلق ـ هي ـ قدرا كافيا من التعليم فلم تبخل به على بطلها الهمام !!
******
عياش :"أختاه مالك واجمة ؟ "
عائشة :"لا شئ سوى أن أباك ........... "
( لحظات من البكاء وسيول من الدموع تقطع الحديث ، ثم تستطرد فى صوت متهدج قائلة : )
- " هانت على رؤية أبيك فى ثيابه المهلهلة . ليتنى أكون رجلا كي أريحه من كبد العيش وتعبه ! "
بدت علامات من التعجب على ذلك الوجه الأبيض البرئ ولمعت عينان زرقاوان مكنونتان ـ كاللؤلؤتين ـ فى هذا الوجه البسيط . فلاحظت الكبرى ملامح أخيها وأدركت أنها دفعت بأثقال لا يتحملها الصغير في مثل هذا السن ، فقطع هذا الإستفهام وهذة الشفقة حضن دافئ تعقبه قبلتان حانيتان على وجنتي الصغير .
وتتسابق عقارب الساعات ومن ثم تتبعها الساعات والأيام ....... ويدخل مضمار السباق أفكار الغلام ! فصار يعى تماما الواقع ، ويستقبل شحنات حانية إنسانية من هذه اليد البيضاء !!
فجال فى خاطره ....
- " أبى لا يدع العمل ولكن .. هل هذا حبا للعمل ؟ أم سأما من الملل ؟ "
ويسود الصمت هنيهة .... وإذا بالصوت العذب يدعوه للإستذكار فهذا فارس المستقبل لهذ الأسرة البسيطة .....
- " لماذا تريد أن تستأثر بالجلوس مع عظمة السلطان وحدك ؟" قالتها مازحة . فانبسطت أسارير الغلام . وازدانت وجنتاه بالبسامة ..
- " أختاه . ترين مهنة أبى ؟؟؟ "
- " نعم . ماذا تقصد ؟ !! ......... حقا إن مهنته ليست بالمنشودة لكثير من المتكبرين . ولكن هناك أملا معقودا لوالدك ... جعله لا يتحرج من أن يقضى للناس حوائجهم أو ينظف لهم طريقهم ... أتدري ما هو ؟
- " أنت ... أنت يا عياش . عش لأبيك ، عش لأهلك ، عش لوطنك ودينك ...
- "كم أنت عظيمه يا أختاه !!!"
******

هكذا كانت الأحاسيس تجوب وتصول بخاطر الغلام اليافع ..
يا الله !! كم هو مصر على أن يقدم يديه ـ الحديثة العهد بالعمل ـ عونا لأبيه وهو فى الحقل ..
وبعد أن تقتل الشمس في دمها الأحمر الشفقى معلنة عن الغروب !! لم تغرب الحماسة من قلب ( عياش ) فهو عياش للجد والإجتهاد . فنادي المذاكرة ونادته المذاكرة . ويشهد هذا الموقف مصباح ضئيل فى حجمه ضئيل في شعلته ، لكنه عظيم في دفئه !! وتمد اليد البيضاء عونها الذي كان الحنان سمته والأمان ديده .
يا لجمال الحدث بالرغم من تكراره ففى كل مرة يضفى معان عظيمة على الحاضرين ، فذاك أم ٌ تري أما جديدة تعلم صغيرها ، ولكن ماذا تفعل ولم يمن الله عليها بالتعلم ؟! اكتفت الأم بالجلوس فزادت المعلم حماسة والمتعلم إصرارا !!
يا لها من قسمات تنم عن كفاح دؤوب عانته صاحبة الحنان الدافئ وهى تربى أبناءها ، لا أذكر لها غفوة فحياتها كلها رحمة .
فليس من الغريب لهذه الأم أن تكون صلتها بربها متأصلة . فكم دفعت ابنها الحبيب إلى المسجد وكم عودته ـ ومن قبل اليد البيضاء ـ على الصيام والأخلاق .
******
" الله أكبر... الله أكبر ... حى على الصلاة .... حى على الفلاح .. "
كلمات اعتاد الفتى أن يسمعها فلم يدرك معناها ولكنه أدرك ذاتها فهو يقوم مع قيام المصلين ويسجد لسجودهم ويركع لركوعهم ..!!
كان قرب المسجد من البيت دافع لوجود الفتى اليافع به .
حتى الفجر !! إن سألته عن الفتى ، لعرفه كما يعرف الأرض !!
فكثيرا ما يمتطى الفتى المدلل ظهر أبيه قاصدين بيت الله ، ملبين ندائه ، فى الوقت الذي علا فيه أصوات النائمين ، وغفلت فيه أعين المذنبين !! فثقلت عن نداء رب العالمين !!
لا أبالغ حين أرى القمر الذي يختال ضاحكا مغرورا؛أراه الآن قلقا غيورا؛من ذاك الفتى وذاك الأب !! فلقد أضاء حنانهم وبهاءهم البيداء وبلغت أساريرهم عنان السماء !!
وبعد لحظات عامرة بالوئام والإيمان تلحظ أعين المصلين ـ فى ظل الضوء الخافت ـ قصرا فى القامة وضآلة في الجسم يجلس بينهم . فيتحسس الواحد منهم رأس الفتى ويدعو له سرا أو جهرا .
عقب كل هذه المداعبات تخرج السواعد الفتية والقلوب الذكية ببطون (شبه فارغة) بوجبة مقتصدة من الطعام الجاف .. كل هذا ترك فى نفس ـ صاحبنا ـ ما ترك من المعان التى لو ذكرتها لطارت عقولكم ولذهلت مسامعكم !!
******

فى كل جمعة بينما تزدان السماء بالملائكة ، أبت الأرض إلا أن تزدان بالمصلين !! ونادت المساجد للجادين ... أن هبوا لطهارتى فأنا على موعد مع ضيوف أجود الأجوين ...
وما أن سمع ـ صاحبنا ـ النداء ... لفظ لهو الغلمان واستنكر من كل كسلان ، آخذا بيده عدة الحرب(مع الأتربة ).. وطوي الأرض طيا .. وتسابقت قدماه الصغيرتان مع الريح !! فتارة يسبقها وتارة تسبقه ـ لا لأن قواه نخرت أو لأن عزيمته ضعفت ـ إنما إلقاء السلام على المارين واجب عليه ولأن الجلوس اعتادوا سماع صوت الفتى ملقيا بجمل العبارات وأجمل التحيات .....
وبعد معارك طاحنة بينه وبين الأتربه ... تلقى عيناه النظر على تلك الأتربة المطرودة والمنكوسة نظرة تشفى وافتخار ... أو قل نظرة رضا وانتصار ..
مضت الست وريقات من عمر صاحبنا .. فشغف قلبه لحفظ القرآن . فأوجده الله فى مكانٍ عبق الذكريات .. كثير البشريات.. دائم الطاعات .. عرف الفتى اسمه بعد ذلك بـــ " الكُتاب " .. فهذا المكان أودع في لب صاحبنا الكثير من الذكريات والطاعات .. فهو صاحب الكشف عن مواهب ـ أخينا ـ ولولاه ما قرأتم هذه الكلمات !!!
ما المانع لو أنشد ـ أخونا ـ مرة بصوته العذب أمام أقرانه ؟! وما المانع لو داهمه (مشرف الكُتاب ) بسؤال أخذ بلبه الكثير والكثير من الوقت ؟. فيجيب عليه بلغة مفهومه أو غير مفهومة !! المهم أن وجوده أرغم الحاضرين على حب الحديث معه ...
وتدور آلة الزمان .. لتنقلنا إلى فترة من فترات ( عياش ) الذي عاش للمسجد !
نرى فيها صاحبنا وهو يفتح أبواب المسجد ... أبواب المنبر ... ماكينة الصوت ... وبعد لحظات طال ترقبها ، إذا بصوت المؤذن الصغير يختال فى الأفق مناديا فى قوة الغافل والعاقل .. الكل معه سواء .. لا هوداه ولا تماطل في تلبية النداء!
******

يا من تحملني وتحمله أرض واحدة وتظلنا ـ سويا ـ سماء واحدا .. كوكب وفلك واحد .. مجرة واحدة !! أطلق العنان لخيالك .. كي تتوقع معي حال صاحبنا على هذه البسيطة وفوق ذلك الثري ..
لا أرى إلا الخير كله ينتظره . والمستقبل يفتح له ذراعيه ... والنجاح يقبض على مقبض باب العلى ينتظر نمو فارس الهدى ، المتأسي بأخلاق سيد الورى .
فعاش " عياش " لدينه ، ولدعوته ، ولأهله ، ولوطنه ....
وعاشت معه أحلامه ..

ليست هناك تعليقات: